السيد محمد باقر الصدر
188
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
في نفس كون الآمر مولى ، لنرى مدى ما للمولى من حقّ الطاعة على المأمور ، وهل له حقّ الطاعة في كلّ ما يقطع به من تكاليفه ، أو أوسع من ذلك بأن يفترض حقّ الطاعة في كلّ ما ينكشف لديه من تكاليفه ولو بالظنّ أو الاحتمال ، أو أضيق من ذلك بأن يفترض حقّ الطاعة في بعض ما يقطع به من التكاليف خاصّة ؟ وهكذا يبدو أنّ البحث في حقيقته بحثٌ عن حدود مولويّة المولى ، وما نؤمن به له مسبقاً من حقّ الطاعة . فعلى الأوّل تكون المنجّزيّة ثابتةً في حالات القطع خاصّة . وعلى الثاني تكون ثابتةً في كلّ حالات القطع والظنّ والاحتمال . وعلى الثالث تكون ثابتةً في بعض حالات القطع . والذي ندركه بعقولنا أنّ مولانا سبحانه وتعالى له حقّ الطاعة في كلّ ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظنّ أو بالاحتمال ما لم يرخّص هو نفسه في عدم التحفّظ ، وهذا يعني أنّ المنجّزيّة ليست ثابتةً للقطع بما هو قطع ، بل بما هو انكشاف ، وأنّ كلّ انكشافٍ منجِّز مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به . نعم ، كلّما كان الانكشاف بدرجةٍ أكبر كانت الإدانة وقبح المخالفة أشدّ ، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبةً أشدّ من التنجّز والإدانة ؛ لأنّه المرتبة العليا من الانكشاف . وأمّا القضيّة الثانية - وهي أنّ المنجّزيّة لا تنفكّ عن القطع بالتكليف ، وليس بإمكان المولى نفسه أن يتدخّل بالترخيص في مخالفة القطع وتجريده من المنجّزيّة - فهي صحيحة ، ودليلها : أنّ هذا الترخيص إمّا حكم واقعيّ ، أو حكم ظاهريّ ، والأوّل مستحيل ؛ لأنّ التكليف الواقعيّ مقطوع به ، فإذا ثبتت أيضاً إباحة واقعيّة لزم اجتماع الضدّين ؛ لِمَا تقدّم من التنافي والتضادّ بين الأحكام التكليفية الواقعية .